أمرنا الله ورسوله بالذكر، وقد حثنا على أذكار بعينها، فكانت أهم الأذكار التي ندبنا إليها عشرة، هي: الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله، وسبحان الله، وسبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، والحمد لله، والله أكبر، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا بيان الأمر بها وبعض فضلها وأثرها في تزكية النفس:
الاستغفار
أمرنا الله تعالى بالاستغفار والتوبة، كما أمر من قبلنا، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت: 6] وقال سبحانه: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المزمل: 20]، وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ [هود: 90] وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواتُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾ [التحريم: 8].
والاستغفار إنما هو اعتذار إلى الله وطلب لعفوه مما أخطأ العبد في حقه ربه إذ خالف أمره وخرج عن طاعته، ومن أراد أن يعود إلى الله تعالى فكيف يرجع إليه وهو لم يعتذر من معصيته ويستغفر، لذلك وجب على العبد أن يرجع إلى ربه بالاستغفار مرة بعد مرة، ويوماً بعد يوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»([1])، فعلى كل مسلم أن يجعل لنفسه توبة واستغفاراً في كل صباح وكل مساء، فليس فينا من لا يذنب، سواء انتبهنا إلى ذنوبنا أم لم ننتبه.
وقد أمرنا الله تعالى بالاستغفار والتسبيح في أول النهار وآخره: فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَبِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: 55].
وقد حثنا النبي r على نقول في كل يوم مائة مرة: « أستغفر الله وأتوب إليه »، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة »([2])، وقال صلى الله عليه وسلم : « يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة »([3]).
وإذا أراد الإنسان أن يزكي نفسه، فأول ما ينبغي أن يطهر نفسه منه بعد إيمانه وتوجهه إلى الله؛ أن يتوب من ذنوبه التي قدمها وعصى به، معلناً رجوعه إلى الله وإلى أحكامه.
وقد بين الله تعالى أن من صفة المؤمنين والمتقين أنه يستغفرون في آخر الليل، قال تعالى: ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ [آل عمران: 17]، وقال: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ [الذاريات: 18]، يدعونا الله تعالى إلى الاستغفار في آخر الليل، في خلوة مع الله نعلن توبتنا وتضرعنا إلى الله وافتقارنا.
وعلى العبد كلما أذنب أن يسارع إلى الاستغفار، قال سبحانه ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ، وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ، وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].
ومن أذنب فإنه يستحق العقوبة من الله، إن لم يعف الله عنه، وقد يؤخر الله العقوبة لعبده إلى الآخرة، وقد يعجلها له في الدنيا رحمة به وتطهيراً له([4])، لكن من سارع إلى الاستغفار رفع الله عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ، وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33]، فكما أنت وجود النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه من العذاب([5])؛ فإن الاستغفار أيضاً أمان للإنسان من العذاب والعقوبة، كما دلت الآية، فما أعظم كرامة الاستغفار.
والله تعالى يفرح بعبده التائب الراجع إليه، أكثر من فرح إنسان ضاعت ناقته في صحراء فلاة وعليها طعامه، فجلس ينتظر الموت وقد يئس من رجوعها، فلما استيقظ من نومه، فإذا بها فوق رأسه، فالله أشد فرحاً بتوبتنا من فرح هذا بناقته وطعامه.
والله تعالى بين لنا من فضيلة الاستغفار أنه سبب في زيادة الهمة والقوة فقال سبحانه ذاكراً قول هود عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52]، وزيادة القوة تشمل القوة المعنوية والهمة، فإذا كان عند المسلم ضعف وتكاسل عن بعض الطاعات؛ فعليه بالاستغفار يعطيه الله به همة وقوة على الطاعة، وإذا كان عنده ذنب ولا يستطيع تركه؛ فليستغفر، ليعطيه الله القوة والهمة على تركه.
ومن آثار الاستغفار سعة الرزق، قال تعالى: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً ﴾، فمن تاب وسع الله عليه ورحمه، لكن لا ينبغي للعبد أن يجعل هدفه من الاستغفار الدنيا، وإلا لم يكن مخلصاً، يريد عرض الدنيا، وإنما يجعل هدفه التوبة فيوسع الله عليه.
وما سبق من الآيات يشهد للحديث الذي روي ـ وضعفه بعض العلماء ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب »([6]).
وقد سن لنا النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار بعد كل صلاة فريضة، فقد كان « إذا انْصَرَف مِنْ صلاتِهِ اسْتَغفَر ثَلاثاً، وقال: « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ، ومِنكَ السَّلامُ ، تباركْتَ يَاذا الجلالِ والإكرام » قِيل للأَوْزاعي وهُوَ أَحَد رُواةِ الحديث : كيفَ الاستِغفَارُ ؟ قال: تقول: أَسْتَغْفرُ اللَّه، أَسْتَغْفِرُ اللَّه([7]).
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
أخبرنا الله أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ليحثنا على الصلاة عليه، قال الله سبحانه: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾.
أفلا يكفينا هذا الأمر الرباني لنكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لنذكر فضل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ،ولنشكر نعمة الله علينا بإرساله إلينا، وقد كمله وزكاه وجعله أكمل خلقه، وبتذكرنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال الصلاة عليه تزداد محبتنا له فتدفعنا إلى طاعته، ويتعمق لدينا أنه القدوة الكامل الذي ينبغي أن نتبعه في كل شيء من اعتقاداتنا ونياتنا وأقوالنا وأعمالنا وأخلاقنا، فيكون ذلك سبباً في الاتباع والحرص على الطاعة.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سبيل لصلاة الله علينا وإخراجنا من الظلمات إلى النور، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً »([8])، وإذا صلى الله علينا أخرجنا من الظلمات كما قال سبحانه: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾، وإذا كانت صلاتنا مع النقص والغفلة، فإن صلاة الله علينا ورحمته لا تكون إلا كاملة مع الفضل والنور، فمن أراد الخروج من ظلمة الجهل والذنب والغفلة والتدسية إلى نور العلم والطاعة والذكر والتزكية والهداية فعليه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن من يكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يكون أولى بشفاعته ويكون أقرب إليه في الجنة، قال رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: « أَوْلى النَّاسِ بي يوْمَ الْقِيامةِ أَكْثَرُهُم عَليَّ صلاةً »([9]).
كما وردت أحاديث تحثنا على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها، قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : « إنَّ مِن أَفْضلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعةِ، فَأَكْثِرُوا عليَّ مِنَ الصلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُمْ معْرُوضَةٌ علَيَّ » فقالوا: يا رسول اللَّه، وكَيْفَ تُعرضُ صلاتُنَا عليْكَ وقدْ أرَمْتَ ؟ يقولون :بَلِيتَ، قالَ: « إنَّ الله حَرم على الأرْضِ أجْساد الأنْبِياءِ »([10]).
كما حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على إكثار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في كل حال، قال أبي بن كعب: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً تكفى همَّك، ويُغفر لك ذنبُك([11])، ومغفرة الذنوب كما مر تزكية وتطهير للنفس.
لا إله إلا الله
هي أعظم كلمة، فقد خلقنا لنعرف توحيد الله ونعبده وحده، ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾، فكانت هذه الكلمة لتذكرنا بعبوديتنا وألوهية الله.
فكانت الأحق بالذكر، قال صلى الله عليه وسلم : « أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله »([12])، ولا عجب أن تكون أفضل الذكر وهي الكلمة التي لا يكون الإيمان إلا بها.
وهي الكلمة الطيبة التي تثمر كل الخير ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 24-25].
وهي كلمة التقوى التي ينبغي أن نلازمها: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ [الفتح: 26].
وهي الكلمة التي يدخل بها الإنسان الإيمان، فهي رأس التزكية، وهي الكلمة التي يسعى إليها المسلم لأنه إذا ختم للإنسان بها فقد نجى، فاجعل أيها المسلم أكثر كلامك: لا إله إلا الله، فإنها تذكرك أن لا معبود بحق إلا الله، وتجعلك حاضراً مع مولاك خالقك وإلهك وربك العظيم.
كما حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن نكثر من قول: « لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير »، أن نقولها مئة مرة على الأقل في كل يوم، وبين لنا فضيلتها، فقال صلى الله عليه وسلم : « من قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ في يوم مائة مرة كانت له عِدْل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك »([13])، وبيانه صلى الله عليه وسلم بأنها حرز لقائلها من الشيطان حتى يمسي؛ كأنه ندب لنا أن نقول مثلها في المساء لتكون لنا حرزاً حتى نصبح، وقد روي ما يدل على ذلك([14]).
وحثنا على أن نقولها بعد صلاة الفجر عشراً([15]).
وكان من تهليل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلوات المفروضة؛ ما رواه المغيرة بن شُعْبةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كَان إذا فَرغَ مِنَ الصَّلاة وسلَّم قالَ: « لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ . اللَّهُمَّ لا مانِعَ لما أعْطَيْتَ ، وَلا مُعْطيَ لما مَنَعْتَ ، ولا ينْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجدُّ »([16])، وعَنْ عبد الله بن الزُّبَيْرِ رضي اللَّه عنْهُما أَنَّهُ كان يقُول دُبُرَ كَلِّ صلاةٍ، حينَ يُسَلِّمُ : « لا إلَه إلاَّ اللَّه وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ الملكُ ولهُ الحَمْدُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ . لا حوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّه ، لا إله إلاَّ اللَّه ، وَلا نَعْبُدُ إلاَّ إيَّاهُ ، لهُ النعمةُ ، ولَهُ الفضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسنُ، لا إله إلاَّ اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولوْ كَرِه الكَافرُون »، قالَ ابْنُ الزُّبَيْر: وكَان رسولُ اللَّه r يُهَلِّلُ([17]) بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مكتوبة([18]).
لا حول ولا قوة إلا بالله
هذه الكلمة تعمق معنى التوكل على الله، وتذكرنا أن الأسباب والمخلوقات لا حول لها ولا قدرة ولا قوة، فلا ينبغي أن نعتمد عليها، وإنما نعتمد ونتوكل على من بيده التصريف والحول والقوة، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها عدداً من أصحابه، كما أنه أخبرنا أنها كنْزٌ من كنوز الجنة([19]).
حسبي الله ونعم الوكيل
وهذه الكلمة تعمق أيضاً معنى التوكل على الله، وأنه الوكيل الذي يجب أن يرجع إليه، وأنه يكفي عبده، فلا يحتاج معه إلى معين، ويحسن بالعبد أن يكثر منها إذا داخله خوف من الخَلْق، ليتذكر أنهم لا يضرون ولا ينفعون، وأن الله قادر على رَدِّ ضرهم وأذاهم، « عن ابن عباس : حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ »([20])، قد بين الله ما أكرمهم به لما لجؤوا إليه بهذه الكلمة فقال: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ﴾ [آل عمران: 174].
وأمر الله نبيه أن لا يبالي بعدم نصرة الناس له، فنصرة الله تكفيه، فقال له: ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ [التوبة: 129].
وإذا خاف الإنسان من أذى أو ظلم، فليقل هذه الكلمة، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكَيْسِ، فإذا غلبك امرؤ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل »([21]).
وأعظم همٍّ للمسلم آخرته، فلا يكتفي أن يذكر أن الله حسبُه ووكيلُه ليفرج عنه دنيا، بل يقولها في الدنيا ليفرج الله عنه بها كربات الآخرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ([22])، وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ » فَكَأَنَّ ذلِكَ ثَقُلَ عَلى أَصْحَابِ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَ لَهُمْ : « قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوكِيلُ »([23]).
سبحان الله والحمد لله وسبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم
وقد أمرنا الله بالتسبيح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، معظمين الله تعالى ومنزهين له، وشاكرين لفضله، نزكي بذلك اعتقادنا بالله، ونشكر فضله فيزيدنا من كرمه، قال تعالى: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾، وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللَّه ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾.
كما أمرنا بالتكبير ﴿ وكبره تكبيراً ﴾ وجعله في صلاتنا، تعظيماً لله وإكباراً له وتواضعاً منا أمامه وعبودية له.
فضائل التسبيح والحمد والتكبير:
بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم عظيم فضائل التسبيح والحمد، فقال صلى الله عليه وسلم : « كَلِمتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلى اللِّسانِ ، ثَقيِلَتانِ في المِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمنِ:سُبْحان اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبحانَ اللَّه العظيمِ»([24]).
وقال صلى الله عليه وسلم : « لأن أَقُولَ سبْحانَ اللَّهِ ، وَالحَمْدُ للَّهِ ، ولا إلَه إلاَّ اللَّه ، وَاللَّه أكْبرُ ، أَحبُّ إليَّ مِمَّا طَلَعَت عليهِ الشَّمْسُ »([25]).
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : « ألا أُخْبِرُكَ بِأَحبِّ الكَلامِ إلى اللَّهِ ؟ إنَّ أحبَّ الكَلامِ إلى اللَّه : سُبْحانَ اللَّه وبحَمْدِهِ »([26]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت »([27])
وقال صلى الله عليه وسلم : « الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان ، والحمدُ للَّهِ تَمْلأُ المِيْزانَ ، وسُبْحَانَ اللَّهِ والحمْدُ للَّه تمْلآنِ أو تَمْلأُ ما بَيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ »([28]).
الحث على الإكثار من التسبيح والحمد والتكبير والتهليل:
حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من التسبيح، فقال صلى الله عليه وسلم : « أَيعجِزُ أَحدُكم أنْ يكْسِبَ في كلِّ يوْمٍ أَلف حَسنَة» فَسَأَلَهُ سائِلٌ مِنْ جُلَسائِهِ: كيفَ يكسِبُ أَلفَ حَسنَةٍ ؟ قالَ: « يُسَبِّحُ مِائةَ تَسْبِيحة ، فَيُكتَبُ لهُ أَلفُ حسَنَةٍ ، أوْ يُحَطُّ عنْهُ ألفُ خَطِيئَةٍ »([29]).
وقال صلى الله عليه وسلم : « منْ قال : سُبْحانَ اللَّهِ وبحَمدِهِ ، غُرِستْ لهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ »([30])، وقال صلى الله عليه وسلم : « من قالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبحمْدِهِ ، في يوْم مِائَةَ مَرَّةٍ ، حُطَّتْ خَطَاياهُ ، وإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْر »([31]).
وقد شرع لنا الله تعالى الإكثار من التسبيح في الصلاة، فقد « كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يقولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدك ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي »([32])، و « كانَ يَقُولُ في رُكوعِهِ وسجودِهِ: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائِكةِ وَالرُّوحِ »([33]).
وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على التسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة وبين لنا عظيم أجرها، فقال صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَبَّحَ اللَّه في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثاً وثَلاثينَ ، وَحمِدَ اللَّه ثَلاثاً وثَلاثين ، وكَبَّرَ اللَّه ثَلاثاً وَثَلاثينَ وقال تَمامَ المِائَةِ : لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحْدَه لا شَريك لهُ ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمْد ، وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ، غُفِرتْ خطَاياهُ وإن كَانَتْ مِثْلَ زَبدِ الْبَحْرَ »([34])، قال صلى الله عليه وسلم : « مُعقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَو فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍُ مكتُوبةٍ : ثَلاثاً وثَلاثينَ تَسْبِيحَةً ، وَثَلاثاً وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً ، وَأَرْبَعاً وثَلاثِينَ تَكبِيرةً »([35]).
وحثنا على التسبيح بصيغة مباركة بعد الصبح فعن أُمِّ المؤمنينَ جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ رضي اللَّه عَنْها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خَرجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وهِيَ في مسْجِدِهَا([36])، ثُمَّ رَجع بَعْد أَنْ أَضْحى وهَي جَالِسةٌ فقال : « مازلْتِ على الحال التي فارَقْتُكَ عَلَيْهَا ؟ » قالَتْ : نَعمْ : فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ قُلْتُ بَعْدِكِ أرْبَعَ كَلمَاتٍ ثَلاثَ مرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَومِ لَوَزَنْتهُنَّ : سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عرْشِهِ، ومِداد كَلمَاتِه »([37]).
([1]) رواه مسلم رقم 2759 عن أبي موسى رضي الله عنه .
([2]) رواه البخاري عن أبي هريرة رقم 5948، وروى مسلم رقم 2702 عن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ».
([3]) رواه مسلم رقم 2702 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه .
([4]) كما ورد في الحديث الصحيح: « إن الله إذا أحب عبداً عجل له العقوبة في الدنيا حتى يوافيه يوم القيامة وليس عليه شيء » رواه بهذا المعنى الترمذي رقم 2396، وابن حبان رقم 2911، والحاكم رقم 1291.
([5]) وقد ورد في صحيح مسلم رقم 2531 عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع رأسه إلى السماء ثم قال: « النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».
([6]) أخرجه أبو داود رقم 1518 وابن ماجه و البيهقي عن ابن عباس.
([7]) رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه .
([8]) أخرجه مسلم رقم 384 عن عبد الله بن عمرو بن العاص وتمامه: « ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ».
([9]) رواه الترمذي عن ابن مسعود وقال: حديثٌ حسنٌ، ورواه البزار في مسنده ج 4 ص 278 رقم 1446 بلفظ: « إن أولاكم بي يوم القيامة أكثركم علي صلاة في الدنيا»، ورواه أبو يعلى رقم5080، قال الشافعي في الأم ج 1 ص 208: « وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقربكم منى في الجنة أكثركم علي صلاة، فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر، قال الشافعي: يعني والله تعالى أعلم يوم الجمعة ».
([10]) حديث صحيح، رواه أبو داود رقم 1531 وأحمد نحوه 4/8، عن أوس بن أوس رضي الله عنه .
([11]) حديث حسن، رواه الترمذي رقم 2457 وقال: حسن صحيح، وروى أحمد نحوه رقم 21280 عن أبي بن كعب، ولفظه: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال: إذاً يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من دنياك وأخرتك ».
([12]) حديث حسن، رواه الترمذي رقم 3383 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقال: حسن غريب، ورواه ابن حبان رقم 846، والحاكم رقم 1834 وصحح إسناده.
([13]) روى البخاري رقم 3119 ومسلم رقم 2691 عن أبي هريرة رضي الله عنه .
([14]) فقد روي بلفظ « مائتي مرة » بإسناد حسن، رواه أحمد رقم 6740 والنسائي رقم 10411، وفي رواية للنسائي: رقم 10410 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة إذا أصبح، ومائة مرة إذا أمسى؛ لم يأت أحد بأفضل منه إلا من قال أفضل من ذلك ».
([15]) وقد سبق ذكر الحديث.
([16]) رواه البخاري ومسلم .
([17]) يهلل بهن: يعني يرفع صوته بهن.
([18]) رواه مسلم.
([19]) أخرجه البخاري رقم 3968 ومسلم رقم 2704، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لما غزا رسول صلى الله عليه وسلم خيبر، أو قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرَفَ الناسُ على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم، وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: يا عبد الله بن قيس، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة، قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ».
([20]) أخرجه البخاري رقم 4287.
([21]) أخرجه أبو داود رقم 3627 وأحمد عن عوف بن مالك.
([22])الْقَرْنُ: هُوَ الصُّورُ الَّذِي قال الله تعالى فيه: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾.
([23]) رواه الترمذي وقال حديثٌ حسنٌ .
([24]) رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه
([25]) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
([26]) رواه مسلم.
([27]) رواه مسلم رقم 2137 عن سمرة بن جندب رضي الله عنه .
([28]) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه .
([29]) رواه مسلم عنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه .
([30]) رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه وقال : حديث حسنٌ .
([31]) رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه
([32]) رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها.
([33]) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.
([34]) رواهُ مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
([35]) رواه مسلم عن كعب بن عروة رضي الله عنه .
([36]) أي في مكانها الذي تصلي فيه في بيتها.
([37]) رواه مسلم.
0 التعليقات :
إرسال تعليق